عاود زوج اليورو/الدولار الأمريكي اختبار مستوى الدعم عند 1.1580 (الخط الأوسط لمؤشر Bollinger Bands على الإطار الزمني اليومي D1)، وذلك بعد محاولة غير ناجحة للتماسك في منطقة مستوى 1.16. وقد حاول بائعو اليورو/الدولار كسر مستوى 1.1580 بالفعل يوم الجمعة، تفاعلًا مع الخطاب اللافت لرئيس الاحتياطي الفدرالي Kevin Warsh في Jackson Hole ومع بيانات التوظيف المعدَّلة. وعلى الرغم من الهبوط السعري القوي، لم يتمكن الدببة من اختراق هذا الحاجز السعري — إذ أُغلقت تداولات الجمعة عند مستوى 1.1582. وفي يوم الاثنين، استعاد المشترون زمام المبادرة على الزوج، ودفعوا السعر لتحديث القمة المحلية عند 1.1621. إلا أن السيناريو الصاعد فقد زخمه سريعًا. وقد لعبت بيانات نمو التضخم في منطقة اليورو، التي نُشرت يوم الثلاثاء، دورًا مهمًا في ذلك؛ إذ إن هذا الإصدار المتضارب لم يدعم العملة الأوروبية، بل صب في مصلحة بائعي اليورو/الدولار.
للوهلة الأولى، يبدو التقرير ذا نبرة متشددة (hawkish). فقد تسارع معدل التضخم العام في أغسطس إلى 3.3% على أساس سنوي، بعد ارتفاعه إلى 2.9% في الشهر السابق. وعاد المؤشر مجددًا فوق العتبة النفسية البالغة 3%، مسجلًا أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2023. أليس هذا سببًا كافيًا لتعزيز التوقعات المتشددة بشأن الخطوات المقبلة من جانب البنك المركزي الأوروبي؟
لكن، كما يقال، الشيطان يكمن في التفاصيل — حيث تفسر بنية التقرير رد الفعل السلبي في السوق (بالنسبة لليورو).
المشكلة الرئيسية التي يواجهها اليورو هي أن مكون الطاقة هو الذي يقود تقريبًا بشكل كامل تسارع التضخم العام في شهر أغسطس. فقد تسارعت وتيرة ارتفاع أسعار الطاقة إلى 14.3% على أساس سنوي في أغسطس (مقارنة بـ 10.3% في يوليو). وعلى النقيض من ذلك، تباطأ نمو أسعار الخدمات، التي تمتلك أكبر وزن في سلة المستهلك في منطقة اليورو (نحو 47%)، إلى 3.0% بعد أن كان 3.3%. أما أسعار السلع الصناعية غير المرتبطة بالطاقة فقد ارتفعت من 0.9% إلى 1.2%، في حين حافظت أسعار الأغذية والكحول والتبغ على وتيرة نموها المسجلة في يوليو عند 1.2%.
وتبدو ديناميكيات التضخم الأساسي أكثر دلالة. فقد تراجع المؤشر الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء والكحول والتبغ، إلى 2.4% بعد أن كان 2.5%. وكان معظم المحللين واثقين من بقاء هذا المؤشر عند مستوياته المسجلة في يوليو خلال أغسطس.
مؤشر أوسع نطاقًا – يستثني الطاقة والأغذية غير المعالجة – تباطأ إلى 2.1%. وغالبًا ما يُشار إلى هذا المؤشر باعتباره تضخمًا "أساسيًا"، لأنه يستثني ليس فقط موارد الطاقة، بل أيضًا المنتجات الغذائية الطازجة (الخضروات واللحوم والأسماك)، التي تعتمد أسعارها بدرجة كبيرة على العوامل الموسمية والظروف الجوية.
بعبارة أخرى، فإن النبضة التضخمية في منطقة اليورو (حتى الآن) لا تنتشر بشكل متساوٍ عبر الاقتصاد، بل تتركز بالدرجة الأولى في قطاع الطاقة. وبالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، يُعد هذا عاملًا مهمًا وربما حاسمًا، لأن الضغوط التضخمية المستدامة تميل عادة إلى الظهور بصورة أوضح في ارتفاع أسعار الخدمات والأجور وسائر مكونات الطلب المحلي أكثر من ظهورها في ارتفاع أسعار النفط والغاز. وهذه العوامل قادرة على الإبقاء على معدلات التضخم مرتفعة حتى بعد استقرار أسعار الطاقة أو تراجعها. أما إذا كان تسارع مؤشر أسعار المستهلكين العام يُعزى بالأساس إلى صدمة خارجية في أسعار الطاقة، فقد ينظر البنك المركزي الأوروبي إلى هذه القفزة على أنها أثر مؤقت، لا دليلًا على ضغوط سعرية مستدامة في الاقتصاد.
ولهذا تحديدًا لم يجد السوق في التقرير ما يكفي من الأسس "الملموسة" لإعادة تسعير توقعاته باتجاه وتيرة أكثر تشددًا في سياسة البنك المركزي الأوروبي.
إضافة إلى ذلك، فإن رفع سعر الفائدة في سبتمبر يكاد يكون مسعّرًا بالفعل في الأسواق. لذلك، ما يهم اليورو ليس مجرد احتمال تنفيذ الرفع في الاجتماع المقبل، بل أيضًا آفاق المزيد من تشديد السياسة النقدية. بنية التقرير تتيح للبنك المركزي الأوروبي الاكتفاء برفع إضافي واحد فقط، طالما أن صدمة الطاقة هي التي تدفع التضخم العام إلى الأعلى دون أن تؤدي في الوقت نفسه إلى تسارع في العمليات السعرية الأساسية.
وعلى سبيل المثال، يتناغم هذا التقرير مع البيانات الألمانية التي نُشرت يوم الاثنين. فقد تسارع التضخم العام في ألمانيا من 2.8% إلى 2.9%، لكنه ظل أقل من التوقعات البالغة 3%. كما جاء المؤشر المنسق في المنطقة السلبية نسبيًا، إذ ارتفع إلى 2.9% مقابل توقعات عند 3.1%. وفي الوقت نفسه، ظل التضخم الأساسي مستقرًا عند 2.4%، وتراجع تضخم قطاع الخدمات من 2.9% إلى 2.8%. كما تباطأ تضخم أسعار الغذاء إلى 0.1% بعد أن كان 0.4%. وكان المحرك الرئيسي لارتفاع التضخم في ألمانيا مرة أخرى هو قطاع الطاقة، إذ ارتفعت أسعار الطاقة من 8.3% إلى 10.5%.
بمعنى آخر، شكّل التقرير الألماني بمثابة مقدمة للبيانات الأوروبية الأوسع. ففي ألمانيا، شهدنا تسارعًا في التضخم العام، واستقرارًا في التضخم الأساسي، وتباطؤًا في قطاع الخدمات. واليوم نرى صورة مماثلة تقريبًا على مستوى منطقة اليورو ككل.
على العموم، لم يشكّل التقرير المحرك الأساسي لليورو كما كان يمكن أن يكون لو أن تسارع التضخم اتسم بطابع أكثر "نوعية". فارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين العام ما زال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالطاقة، في حين يواصل كل من التضخم الأساسي وتضخم الخدمات التراجع. ونتيجة لذلك، لم يقم السوق بتسعير مسار أكثر حدة لرفع أسعار الفائدة، ما أتاح لبائعي EUR/USD استعادة زمام المبادرة.
وهنا نعود إلى نقطة البداية – مستوى الدعم عند 1.1580، الذي يتطابق مع الخط الأوسط لمؤشر Bollinger Bands على الإطار الزمني اليومي D1 (وكذلك على الإطار الأسبوعي W1). فقد خسر مشتروا EUR/USD المبادرة، ومع ذلك لم يتمكن البائعون فعليًا من استغلال الوضع، إذ عجزوا عن كسر هذا الحاجز السعري. ومن الحكمة النظر في فتح مراكز بيع فقط بعد أن ينجح الدببة بثقة في الكسر دون مستوى 1.1580 وتثبيت السعر تحته. وفي هذه الحالة، ستكون الأهداف التالية للحركة الهابطة عند 1.1530 (خط Kijun-sen على إطار D1) و1.1500 (الحد العلوي لسحابة Kumo على الإطار الزمني نفسه). أما إذا صمد مستوى الدعم 1.1580، فمن المرجح أن يعود الزوج إلى النطاق 1.1620–1.1660 (الخطين الأوسط والعلوي لمؤشر Bollinger Bands على إطار H4).
روابط سريعة